كيف تجعل المشكلات فرصًا للنجاح؟

في يوم من الأيام، جلس الأصدقاء الثلاثة، أحمد وسعيد وعمر، ليتحدثوا بشأن مستقبلهم، فقد أتم كل واحد منهم دراسته الجامعية، فأشار سعيد على صديقيه أن يقوما بعمل مشروع، كأن يفتتحوا محلا مثلا، فيدر لهم مثل هذا المحل دخلا يساعدهم على تحمل أعباء المعيشة، فوافق صديقاه على الاقتراح مباشرة؛ فطالما حلموا بأن يجمعهم مشروع واحد، وطالما أرادوا أن تستمر صداقتهم وتزدهر...

 بدأ الأصدقاء الثلاثة في التخطيط لهذا المشروع، واتفقوا على كل شيء، على مكان المحل، وعلى نوع النشاط، وعلى تصميمات المحل، وبدأ العمال في العمل، ومرت الأيام، وهم يرون الحلم يتحقق، والأمل كل يوم يتجدد في إنجاز محلهم على أكمل وجه، واستمر الوضع كذلك، حتى بدأ المال المتوفر لديهم في النفاذ، وبدأ العمال يطالبون بأجورهم، بدأ الموقف يتأزم، فماذا سيفعل الأصدقاء الثلاثة يا ترى؟!

بدأ أحمد يقل حماسه تدريجيا، وفكر أن يعلن انسحابه، ويعلن الفشل، فهو يرى أن مشكلة التمويل تلك مشكلة لا حل لها مطلقا، فهو كعادته يضخم المسألة ويعطيها أكثر من حجمها، أما سعيد فرأى أن عليهم أن يكملوا مشروعهم، وليس هناك ثمة مشكلة فعلام القلق؟! وبدأ يسخر من موقف أحمد وينعته بالمتشائم، أما عمر فقد رأى أن هناك مشكلة، ولكنه يوقن تمام اليقين، أن لكل مشكلة حلا، ولكن لابد أن يقف الثلاثة وقفة جادة، يبحثون فيها عن حل فعال، ويضعون فيها النقاط على الحروف.

فهؤلاء الأصدقاء الثلاثة ـ عزيزي القارئ ـ يمثلون الأصناف الثلاثة التي يتكرر وجودها عند كل مشكلة تقريبا، فقسم يرى أنه ليس هناك مشكلة فيفرط في التفاؤل، وأخر يضخم المسألة فيجنح إلى التشاؤم، وقسم ثالث وهو الوسط، يرى المشكلة ويحس بوجودها، ولكنه لا يجنح إلى التشاؤم بداعي الواقعية، ولا يميل إلى الجانب الآخر فيكون متفائلا بغير مبرر.

وهذا القسم الثالث هو قسم المتميزين في الحياة، فإن كان السر الأول للتميز هو تحديد الأهداف، وكان السر الثاني يكمن في الإدارة الفعالة للوقت، فإن السر الثالث بلا منازع، هو كيفية حل المشكلات، بل وتحويل تلك المشكلات إلى فرص للنجاح بإذن الله.

مرحبا بك في مستشفى حل المشكلات:

          ربما تعجب من العنوان السابق، ولكن دعنا نتخيل أن أي مشكلة تعترض طريقنا في تحقيق أهدافنا هي مرض، فلاشك أن الطبيب سيمر بمراحل عدة لعلاج هذا المرض ـ عفوا هذه المشكلة ـ فما هي تلك المراحل يا ترى؟!

          وقبل أن نتحدث عن مراحل حل المشكلات، لابد عزيزي القارئ أن تكون دائما في مزاج جيد قبل التفكير في حل أي مشكلة تعترض طريق نجاحك، فكما يقول مايكل أرجايل: (يعالج الأفراد المشكلات وهم في حالة مزاجية حسنة بطريقة مختلفة عما لو كانوا في حالة مزاجية سيئة أو محايدة؛ فهم يعملون بسرعة أكبر، ويتبنون أبسط الاستراتيجيات، ويبدون كفاءة في اتخاذ القرار، ولا يكونون مندفعين أو مهملين أو متهورين).

المرحلة الأولى: التشخيص:

وهي مرحلة مواجهة المشكلة، وهي أصعب المراحل على النفس، ولكنها أهمها على الإطلاق، فكما يقول ديفيد فيسكوت: (إن الاعتراف بالمشكلات هو أول خطوة لحلها؛ فإنك لا تستطيع أن تحل مشكلة لن تواجهها)، وفي تلك المرحلة تبدأ بطرح الأسئلة، ومنها على سبيل المثال:

1.    ما مدى حدة المشكلة وصعوبتها؟

2.    ما مدى تكرار هذا المشكلة؟ هل حدثت مرة واحدة أم أنه مرض مزمن؟

3.    ما مدى أهمية المشكلة؟ هل هي حيوية أم يمكن عبورها؟

ومن تلك الأسئلة يتبين لك حدة المشكلة وصعوبتها، وتبدأ في التعرف على بعض الأسباب التي أدت إلى هذه المشكلة، وكلما استطعت تحديد الأسباب الرئيسة، كان تشخصيك للمشكلة أدق، وكان ذلك أقرب إلى حل المشكلة بإذن الله.

المرحلة الثانية: جمع المعلومات:

          وربما تسأل فتقول: ألم تكن المرحلة الأولى وهي تحديد المشكلة ومعرفة السبب الأساس تحتاج إلى تجميع المعلومات؟! ، وأنا أوافقك الرأي، ولكن في تلك المرحلة أنت تحتاج إلى جمع كل المعلومات الممكنة، كبرت أو صغرت، في أقل وقت ممكن.

          ولكي تكون تلك المرحلة فعالة، فلابد أن تجمع معلومات هامة وفعالة، ولذلك لابد من توافر صفات هامة في المعلومات التي ستقوم بجمعها:

1.    صلة المعلومات بموضوع المشكلة: يقول الدكتور أكرم رضا: (إن معلومة بعيدة عن الموضوع كل البعد لا تحمل في جنباتها من الفائدة بقدر ما تحمله من التشويش على التفكير والتشتيت في التوجه).

2.    الوصول إلى تلك المعلومة بالطرق المشروعة: بمعنى أن تصل إليها بطريقة متفقة مع الشرع، والقانون، والعرف السائد، ولا تصل إليها بطريق غش أو خداع؛ لأن الله عز وجل لن يبارك في معلومة تصل إليها عن طريق لا يرضاه.

3.    الدقة: بمعنى أن تكون المعلومة موثقة، محددة، متوافقة مع غيرها من المعلومات.

4.    التأكد من المعلومة من مصادر مختلفة: إن أمكن ذلك.

المرحلة الثالثة: توليد البدائل الممكنة لحل المشكلة:

          وفيها يتم عرض جميع البدائل الممكنة والتي تساعد في حل المشكلات، فكما يقول بولينج: (أفضل طريقة للحصول على فكرة جيدة أن تكون لديك العديد من الأفكار)، وهناك طرق متعددة نستطيع من خلالها توليد تلك البدائل المتعددة، ومن تلك الطرق ما يلي:

1.    طريقة العصف الذهني (Brain Storming): وهي تلك الطريقة التي ابتكرها الإعلامي ألكس أوسبورن، وتعتمد على أن يطرح الأفراد أفكارهم أثناء التفكير فيها، من دون تنمق، أو حذف، أو إضافة، وبدون وضع قيود على التفكير، ومن دون تقييم تلك البدائل، وبالتالي تخرج الفكرة عفوية من صاحبها.

2.    طريقة توليد الأفكار تحريرا (Brain In writing): وفيها يقوم الأفراد بكتابة أفكارهم على قصاصات ورقية، ثم يتم تبادل تلك القصاصات بين الأفراد المجتمعين.

ويتضح في الطريقتين السابقتين أن توليد الأفكار يكون أكثر أثرًا حينما يكون مع الآخرين، فكما يقول المثل الإنجليزي المشهور: (أكثر من عقل يفكر أفضل من عقل واحد)، ولكنك تستطيع أن تولد تلك البدائل وحدك أيضا، ولكن يفضل أن تأخذ بآراء الآخرين معك.

المرحلة الرابعة: تقييم البدائل:

ولكن قبل أن نتحدث عن كيفية تقييم البدائل، عليك عزيزي القارئ أن تعي حقيقة هامة تقول: (لا يوجد بديل إلا وله عيوب ومزايا)، ولكي تقيم البدائل بشكل فعال، عليك بما يلي:

1.    القيام بعمل تقليل لقائمة الأفكار والبدائل (List Reduction):

ونقصد بها تقليل البدائل باستخدام قاعدة العيوب والمزايا كما يلي:

أ‌.       بديل جيد: مزاياه أكثر من عيوبه.

ب‌. بديل ضعيف: عيوبه أكثر من مزاياه.

ت‌. بديل مختلط: مزاياه وعيوبه متساويان.

ث‌. بديل غير مجد: لا يساهم في حل المشكلة.

فتقوم باستبعاد البدائل غير المجدية، والبدائل الضعيفة، وتأخذ بالبدائل الجيدة، والبدائل الفعالة من النوع المختلط.

2.    الترتيب التقييمي للبدائل: بمعنى ترتيب البدائل حسب أهميتها، وأثرها في حل المشكلة.

المرحلة الخامسة: اختيار البديل الأفضل، والبدء في تنفيذه:

وهنا نسوق لك عزيزي القارئ بعضا من النصائح التي سوف تعينك بإذن الله عند الاختيار بين البدائل المتاحة:

1.    انظر في النتائج المترتبة لكل بديل، واحتمالات حدوث عواقب غير مرغوب فيها، نتيجة اختيار هذا البديل.

2.    قد ينطوي الحل الأفضل من وجهة نظرك على قدر من المخاطرة أكبر مما ترغب أو تتحمل، فادرس المخاطر المتوقعة، ومقدار تحملك لها.

3.    لا تنس أن تتأكد من الأثر الجيد الذي سيضيفه البديل المختار في سبيل تحقيق أهدافك.

4.    إن كان معك شركاء في هذه المشكلة، فتأكد من كون البديل المختار يلقى قبولا عندهم؛ حتى يحفزهم ذلك على تنفيذه في أرض الواقع.

5.    وأخيرا، فلا تنس الدعاء والاستخارة قبل اتخاذ القرار النهائي، والبدء في تنفيذ البديل المختار لحل المشكلة، وإذا عزمت على اتخاذ بديل معين، فتذكر قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (فإذا عزمت فتوكل على الله).

وقبل الختام تذكر ما يقوله ديفيد فيسكوت: (إن المشكلات التي تعانيها يمكنها أن تقيدك، وتبلد حواسك، وتخدرك وتجعلك تستسهل اللامبالاة، وتغرقك في إحساسك بالعجز، ولذلك فلا تهرب، ولا تفزع، بل واجه الموقف، وعندما تحدث مشكلة، اعمل على حلها، فإن أفضل وقت هو الآن، والشخص المناسب لحلها هو أنت).

وبعد أن حددت عزيزي القارئ هدفك، وقمت بإدارة وقتك بفعالية، ثم تعلمت كيف تستطيع جعل المشكلات فرصا للنجاح، فقد أصبح لديك ثلاثة أسرار من أسرار التميز، وسوف يتجدد موعدنا مع أسرار جديدة من أسرار التميز في حلقات قادمة من تلك السلسلة، فإلى لقاء قريب بإذن الله.

أهم المراجع:

1.    بلا ندم، الدكتور أكرم رضا.

2.    فجر طاقتك الكامنة في الأوقات الصعبة، ديفيد فيسكوت.

3.    سيكولوجية السعادة، مايكل أرجايل.

4.    حتى لا تكون كلا، الدكتور عوض القرني.

5.    إدارة الذات، الدكتور أكرم رضا.